العيني

121

عمدة القاري

صريحاً ، فهو في تعميم جنس أهل الكتاب ، ولا يلزم من تعميم ذلك تعميم الأجرين في حق أهل الكتاب ، ثم إعلم أن قوله : ( رجل من أهل الكتاب ) ، يدخل فيه أيضاً المرأة الكتابية ، لما علم من أنه حيث يذكر الرجال يدخل فيهم النساء بالتبعية . قوله : ( والعبد المملوك ) إنما وصف بالمملوك لأن جميع الأناسي عباد الله تعالى ، فأراد تمييزه بكونه مملوكاً للناس . قوله : ( إذا أدى حق الله ) أي : مثل الصلاة والصوم ( وحق مواليه ) ، مثل خدمته . والمولى مشترك بين المعتَق والمعتِق وابن العم والناصر والجار والحليف ، وكل من ولي أمر أحدٍ ، والمراد هنا الأخير ، أي السيد ، إذ هو المتولي لأمر العبد ، والقرينة المعينة له لفظ العبد فإن قلت : لِمَ لا يحمل على جميع المعاني كما هو مذهب الشافعي ، إذ عنده : يجب الحمل على جميع معانيه الغير المتضادة ، قلت : ذاك عند عدم القرينة ، أما عند القرينة فيجب حمله على ما عينته القرينة اتفاقاً . فإن قلت : فهل هو مجاز في المعنى المعين إذ الاحتياج إلى القرينة هو من علامات المجاز أم لا ؟ قلت : هو حقيقة فيه ، وليس كل محتاج إليه مجازاً . نعم ، المحتاج إلى القرينة الصارفة عن إرادة المعنى الحقيقي مجاز ، ومحصله أن قرينة التجوز قرينة الدلالة ، وهي غير قرينة الاشتراك التي هي قرينة التعيين ، والأولى هي من علامات المجاز لا الثانية . فإن قلت : لِمَ عدل عن لفظ : المولي ، إلى لفظ : الموالي ؟ قلت : لما كان المراد من العبد جنس العبيد جمع حتى يكون عند التوزيع لكل عبد مولى ، لأن مقابلة الجمع بالجمع أو ما يقوم مقامه مفيدة للتوزيع ، أو أراد أن استحقاق الأجرين إنما هو عند أداء حق جميع مواليه لو كان مشتركاً بين طائفة مملوكاً لهم . فإن قلت : فأجر المماليك ضعف أجر السادات . قلت : لا محذور في التزام ذلك ، أو يكون لهم أجره ضعفه من هذه الجهة ، وقد يكون للسيد جهات أخر يستحق بها أضعاف أجر العبد ، أو المراد ترجيح العبد المؤدي للحقين على العبد المؤدي لأحدهما . فإن قلت : فعلى هذا يلزم ، أن يكون الصحابي الذي كان كتابياً أجره زائد على أجر أكابر الصحابة ، وذلك باطل بالإجماع . قلت : الإجماع خصصهم وأخرجهم من ذلك الحكم ، ويلتزم ذلك في كل صحابي لا يدل دليل على زيادة أجره على من كان كتابياً . والله علم . قوله : ( يطؤها ) هو مهموز ، ، فكان القياس : يوطؤها ، مثل : يوجل ، لأن الواو إنما تحذف إذا وقعت بين الياء والكسرة ، وههنا وقعت بين الياء والفتحة مثل : يسمع . قال الجوهري وغيره : إنما سقطت الواو منها لأن فعل يفعل مما اعتل فاؤه لا يكون إلاَّ لازماً ، فلما جاءا بين إخواتهما متعديين خولف بهما نظائرهما . فإن قلت : إذا لم يطأها لكن أدبها ، هل له أجران ؟ قلت : نعم إذ المراد من قوله : ( يطؤها ) يحل وطؤها سواء صارت موطوءة أو لا . قوله : ( فأدبها ) من التأديب ، والأدب هو حسن الأحوال والأخلاق ، وقيل : التخلق بالأخلاق الحميدة . قوله : ( فأحسن تأديبها ) أي : أدبها من غير عنف وضرب بل بالرفق واللطف . فإن قلت : أليس التأديب داخلاً تحت التعليم ؟ قلت : لا ، إذ التأديب يتعلق بالمروآت ، والتعليم بالشرعيات ، أعني : أن الأول عرفي ، والثاني شرعي ؛ أو : الأول دنيوي ، والثاني ديني . قوله : ( ثم اعتقها فتزوجها ) وفي بعض طرقه : ( أعتقها ثم أصدقها ) ، وهو مبين لما سكت عنه في بقية الأحاديث من ذكر الصداق ، فعلى المستدل أن ينظر في طريق هذه الزيادة ، ومن هو المنفرد بها ؟ وهل هو ممن يقبل تفرده ؟ وهل هذه الزيادة مخالفة لرواية الأكثرين أم لا ؟ قوله : ( ثم قال عامر ) أي : قال صالح : ثم قال عامر الشعبي : أعطيناكها ، أي : أعطينا المسألة أو المقابلة إياك بغير شيء أي : بغير أخذ مال منك على جهة الأجرة عليه ، وإلاَّ فلا شيء أعظم من الأجر الأخروي الذي هو ثواب التبليغ والتعليم . فإن قلت : الخطاب في ( أعطيناكها ) لمن ؟ قلت : قال الكرماني : الخطاب لصالح ، وليس كذلك . فإنه غره الظاهر ، ولكن الخطاب لرجل من أهل خراسان سأل الشعبي عمن يعتق أمته ثم يتزوجها ، على ما جاء في البخاري في باب : * ( واذكر في الكتاب مريم ) * ( مريم : 16 ) قال : حدثنا محمد بن مقاتل ، أنبأنا عبد اللَّه ، قال : أنبأنا صالح بن حي أن رجلاً من أهل خراسان قال للشعبي : أخبرني . فقال الشعبي : أخبرني أبو بردة عن أبي موسى الأشعري ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أدب الرجل أمته فأحسن تأديبها ، وعلمها فأحسن تعليمها ، ثم أعتقها فتزوجها كان له أجران . وإذا آمن بعيسى ثم آمن بي فله أجران ، والعبد ، إذا اتقى ربه وأطاع مواليه فله أجران ) . قوله : ( قد كان يركب ) ، على صيغة المجهول ، وفي بعض النسخ : فقد كان يركب ، أي : يرحل ( فيما دونها ) ، أي : فيما دون هذه المسألة إلى المدينة ، أي مدينة النبي ، عليه الصلاة والسلام ، واللام فيها للعهد ، وقد كان ذلك في زمن النبي ، عليه الصلاة والسلام ، والخلفاء الراشدين ، ثم تفرقت الصحابة ، رضي الله عنهم ، إلى البلاد بعد فتح الأمصار ، فاكتفى أهل كل بلد بعلمائه إلاَّ من طلب التوسع في العلم